ون البحري زمن الحرب: بين قواعد الملاحة ومتطلبات النزاع المسلح
مقدمة
يشكل البحر والمحيط أحد أهم المجالات التي تتقاطع فيها المصالح الاقتصادية والسياسية والأمنية للدول. فلم تعد البحار مجرد فضاء جغرافي يفصل بين الدول، وإنما أصبحت مجالاً حيوياً للتجارة الدولية، ونقل الطاقة، والصيد، والسياحة البحرية، واستغلال الموارد الطبيعية، فضلاً عن كونها مجالاً استراتيجياً للوجود العسكري والأمني للدول.
ومن هنا تبرز ضرورة التمييز بين مفهومين متقاربين في الاصطلاح ومختلفين في الطبيعة والمجال، هما قانون البحار والقانون البحري.
ويقصد بقانون البحار، في مفهومه الواسع، مجموعة القواعد القانونية الوضعية والأعراف الدولية الناظمة للبحار والمحيطات باعتبارها فضاءً اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً بين الدول. فهو، بهذا المعنى، ينظم علاقة الدول بالبحار والمحيطات، ويحدد المجالات البحرية واختصاصات الدول وحقوقها والتزاماتها، كما ينظم الملاحة الدولية واستغلال الموارد وحماية البيئة البحرية والمسائل الأمنية والعسكرية المرتبطة بالبحر.
أما القانون البحري، فينصرف أساساً إلى مجموعة القواعد القانونية الوضعية الناظمة للنشاط البشري داخل البحر، سواء تعلق الأمر بالنقل والتجارة البحرية، أو الصيد، أو النزهة، أو استغلال السفن، أو مسؤولية الناقل، أو التأمين البحري، أو العلاقات بين مختلف المتدخلين في النشاط البحري.
وبناءً على هذا التمييز، فإن الحديث عن القانون البحري زمن الحرب يكتسب خصوصية قانونية، لأن النشاط البحري المدني لا يتوقف بالضرورة بمجرد اندلاع نزاع مسلح، وإنما يستمر في ظل ظروف استثنائية تفرض قيوداً ومخاطر والتزامات قانونية جديدة.
وتطرح هذه الوضعية سؤالاً جوهرياً: كيف تتعامل قواعد القانون البحري مع النشاط المدني في البحر عندما يتحول المجال البحري إلى مسرح للنزاع المسلح؟ وإلى أي مدى يمكن التوفيق بين حرية الملاحة ومتطلبات العمليات العسكرية؟
أولاً: البحر كمجال للنشاط المدني ومسرح للعمليات العسكرية
يتميز المجال البحري بخصوصية لا نجدها بالحدة نفسها في المجالات الأخرى، إذ يمكن أن تتعايش في المنطقة البحرية ذاتها سفن تجارية وسفن صيد وسفن نزهة وسفن عسكرية.
وفي الظروف العادية، تخضع الأنشطة البحرية المدنية للقواعد القانونية التي تنظم النقل البحري والتجارة والصيد والسياحة البحرية وغيرها من الأنشطة.
غير أن اندلاع الحرب يؤدي إلى تغيير جذري في البيئة القانونية والأمنية التي تتم فيها هذه الأنشطة. فقد يصبح الطريق البحري التجاري نفسه معرضاً للهجمات، وقد تخضع السفن للتفتيش أو الاعتراض، وقد تفرض مناطق بحرية محظورة أو قيود على الملاحة، وقد تتعرض الموانئ والمنشآت البحرية لأعمال عسكرية.
وهنا تظهر أهمية التفاعل بين القانون البحري وقانون البحار والقانون الدولي الإنساني.
فالقانون البحري لا يختفي زمن الحرب، وإنما يستمر في تنظيم العلاقات والأنشطة البحرية المدنية، مع خضوعها في الوقت ذاته للقيود التي تفرضها قواعد النزاعات المسلحة.
ثانياً: السفينة التجارية في زمن الحرب
تحتل السفينة التجارية موقعاً مركزياً في النظام البحري الدولي، لأنها تمثل الأداة الرئيسية لتنفيذ جزء كبير من التجارة العالمية.
ولا يعني اندلاع الحرب، بمجرده، أن كل سفينة تجارية تصبح هدفاً عسكرياً مشروعاً. فالأصل في قواعد القانون الدولي الإنساني هو حماية الأعيان المدنية من الاستهداف، ما لم تتحول إلى أهداف عسكرية وفق الشروط القانونية المعمول بها.
ومن ثم، فإن تحديد الوضع القانوني للسفينة التجارية أثناء النزاع يتطلب النظر إلى طبيعة نشاطها الفعلي.
فالسفينة التي تنقل بضائع تجارية مدنية تظل، من حيث الأصل، مختلفة عن سفينة تستخدم لنقل القوات أو الأسلحة أو تقديم دعم مباشر للعمليات العسكرية.
وهذا التمييز بالغ الأهمية، لأن مجرد رفع السفينة لعلم دولة طرف في النزاع لا يكفي، في حد ذاته، لجعلها هدفاً عسكرياً مشروعاً.
ثالثاً: الحصار البحري وحرية الملاحة
يمثل الحصار البحري إحدى أكثر أدوات الحرب البحرية حساسية.
فالدولة المتحاربة قد تلجأ إلى منع السفن من الدخول إلى منطقة أو ميناء تسيطر عليه الدولة المعادية أو الخروج منه، بهدف تحقيق غرض عسكري محدد.
غير أن ممارسة الحصار لا تمنح الدولة القائمة به سلطة مطلقة على المجال البحري. إذ تظل خاضعة للقواعد الدولية المنظمة للحرب البحرية، ولا سيما مبادئ التمييز والتناسب والاحتياط.
وتزداد المسألة تعقيداً عندما يؤثر الحصار أو التدابير العسكرية على السفن التجارية التابعة لدول محايدة، أو عندما يؤدي إلى منع وصول المواد الضرورية للسكان المدنيين.
وهنا يتجلى التوتر بين المصلحة العسكرية للدولة المتحاربة وضرورة استمرار الملاحة الدولية وحماية المدنيين.
رابعاً: اعتراض السفن وتفتيشها
تفرض ظروف الحرب أحياناً إخضاع السفن التجارية لإجراءات التفتيش والتحقق من هويتها وحمولتها ووجهتها.
وقد تكون هذه الإجراءات مرتبطة بالتحقق من عدم نقل أسلحة أو معدات عسكرية إلى أحد أطراف النزاع، أو بالتأكد من احترام الحصار البحري.
لكن ممارسة حق الزيارة والتفتيش يجب أن تتم وفق الضوابط التي يفرضها القانون الدولي، ولا يمكن تحويلها إلى وسيلة تعسفية لتعطيل الملاحة التجارية أو المساس بحقوق الدول المحايدة.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في الممرات البحرية الدولية، حيث تتعدد أعلام السفن وتتنوع مصالح الدول المرتبطة بها.
خامساً: مضيق هرمز نموذجاً معاصراً
يقدم مضيق هرمز مثالاً واضحاً على التعقيد الذي يمكن أن يطرحه القانون البحري في زمن الحرب.
فالمضيق لا يمثل مجرد ممر مائي، وإنما يشكل شرياناً أساسياً لحركة التجارة والطاقة العالمية، ولذلك فإن أي اضطراب كبير في الملاحة عبره يمكن أن تكون له آثار تتجاوز الدول الواقعة في المنطقة لتصل إلى الاقتصاد العالمي بأسره.
ومن الناحية القانونية، تثير العمليات أو التهديدات العسكرية في محيط المضيق مسائل متعددة تتعلق بحرية الملاحة، ووضع السفن التجارية، وحقوق الدول الساحلية، وحقوق الدول المحايدة، ومدى مشروعية اعتراض السفن أو تفتيشها أو منعها من المرور.
كما أن وجود نزاع مسلح لا يعني تلقائياً سقوط جميع القواعد المنظمة للملاحة الدولية. بل إن تقييم أي إجراء ضد سفينة تجارية يتطلب تحديد طبيعة النزاع، وصفة السفينة، وطبيعة نشاطها، والهدف من الإجراء المتخذ، ومدى توافقه مع قواعد القانون الدولي الإنساني وقواعد قانون البحار ذات الصلة.
وتكشف حالة مضيق هرمز عن حقيقة أساسية، وهي أن أمن الملاحة البحرية أصبح جزءاً لا يتجزأ من الأمن الاقتصادي والسياسي الدولي.
فأي تهديد للملاحة في هذا الممر قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف التأمين البحري، وتغيير مسارات السفن، وارتفاع تكاليف النقل والطاقة، واضطراب سلاسل الإمداد العالمية.
وبذلك يتحول النزاع في منطقة بحرية محدودة جغرافياً إلى مسألة ذات آثار قانونية واقتصادية دولية واسعة.
سادساً: حماية الأشخاص والملاحة المدنية
لا تقتصر حماية القانون الدولي أثناء النزاعات المسلحة على السفن وحدها، بل تمتد إلى الأشخاص الموجودين على متنها.
ويتمتع الجرحى والغرقى وغير القادرين على مواصلة القتال بحماية القانون الدولي الإنساني، كما تحظى السفن الطبية بوضع قانوني خاص متى استوفت الشروط المقررة لذلك.
وتكتسب حماية البحارة المدنيين أهمية خاصة، باعتبارهم يؤدون نشاطاً مهنياً لا يرتبط بالضرورة بالمشاركة في الأعمال العدائية.
ومن هنا فإن استهداف السفن المدنية أو الأشخاص المدنيين لا يمكن تبريره بمجرد وجود حالة حرب، وإنما يجب تقييم كل حالة وفقاً للقواعد القانونية المنظمة
للأعمال العدائية
د. ابراهيم الأطرش المحامي بتونس
مختص في القانون البحري
ون البحري زمن الحرب: بين قواعد الملاحة ومتطلبات النزاع المسلح
05
Sep